فن

فيلم «Fatherland»: عن الكفر بمعنى الكلمة

في «Fatherland» يرصد بافليكوفيسكي ألمانيا ما بعد النازية، حيث تتغير الوجوه فقط، بينما يبقى العنف والفاشية والكلمات بلا معنى حقيقي.

future صورة من فيلم «Fatherland»

حضر البولندي الشهير بافل بافليكوفيسكي بفيلمه الأحدث «Fatherland» ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي في دورته التاسعة والسبعين. بافليكوفيسكي قد فاز بالأوسكار عن فيلمه Ida في عام 2015، ثم حصد جائزة أفضل مخرج في كان 2018، لذلك كله، ولأنه مخرج يملك أسلوبًا ونظرة خاصة، ازداد حماس الجميع لمشاهدة فيلمه الأحدث في كان.

يعود بافليكوفيسكي من خلال «Fatherland» مرة أخرى لزمن الحرب العالمية الثانية وما بعدها، الفيلم يصحبنا في رحلة الروائي والمؤلف الألماني توماس مان رفقة ابنته إريكا عقب عودته من المنفى في الولايات المتحدة إلى ألمانيا في عام 1949 بعد هزيمة النازيين وانتهاء الحرب.

ماذا يخبرنا بافليكوفيسكي عن ألمانيا من خلال هذه الرحلة إذن؟ كيف يمكن رؤية هذا الفيلم ضمن سياق متصل مع فيلمي بافليكوفيسكي السابقين؟ والأهم، ماذا يبقى من معنى الكلمة، والفن؟

نازية لم تُنزع وفاشية جديدة

يبدأ الفيلم بمشهد هو الأقوى في الفيلم، مكالمة بين "كلاوس" ابن توماس مان الذي يعيش في فرنسا وبين أخته إريكا، نرى المكالمة بشكل مكتمل من جانب كلاوس الذي يقوم بدوره "أوجست ديل" بتميز شديد.

نتعرف من خلال هذا المشهد، ومن خلال كادر ثابت، على كلاوس ويأسه الشديد من ألمانيا، يرفض مشاركة أبيه وأخته في رحلتهما، يصف ألمانيا بأنها بلد قميء وشعب قميء، ثم يقول إن ربما الحل الأمثل هو أن يقتل كل الألمان أنفسهم، تمامًا كما فعل هتلر وهيرمان جورنج وبقية قادة النازيين.

هذا المشهد هو مدخل بافليكوفيسكي لعالم قبيح نتعرف عليه في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، تبدأ رحلة الأب وابنته في ألمانيا الغربية، حيث يحكم الحلفاء ما يُفترض أنه ألمانيا جديدة، لكن النازية تبدو وكأنها لم تتأثر على الإطلاق، فقط غيرت رداءها الخارجي. تلتقي إريكا بطليقها في حفل على شرف والدها، وندرك من خلال الحوار أنه كان ممثلًا بارزًا في أفلام الدعاية النازية، يحكي أنه كان مجبرًا ويستمر في الحياة بشكل عادي تمامًا دون عواقب.

في الشارع تستمع إريكا من شباك غرفتها لشباب ألمان سكارى يرددون أغنية نازية عن اغتصاب نساء بولندا في طريق الحرب، تبدو صرخات إريكا وصفعاتها في تلك المشاهد وكأنها لكمات في الهواء، لا أثر حقيقي لها.

حينما يتجه الأب وابنته عقب ذلك لمدينة فايمر في شق ألمانيا تحت حكم الاتحاد السوفيتي، تبدو الفاشية كلاسيكية وواضحة، فقط تغير العلم النازي بشعارات جديدة. يبدع بافليكوفيسكي بصريًا من جديد من خلال تكوينات مكررة هرمية تجمع مجموعات من البشر، بعضهم أطفال، بعضهم جنود، والجميع يُبجل قوة وسطوة الدولة. هذا الجزء من الفيلم يحدث في نفس عالم فيلمه السابق "Cold War"، موسيقى فلكلورية وأغاني جوقة بزي موحد.

رحلة وموت

تشترك أفلام بافليكوفيسكي الثلاثة «Ida» و«Cold War» و«Fatherland» بأنها تدور حول رحلات لأشخاص في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، عالم بالأبيض والأسود، كل رحلة تبدأ بشك في وجود معنى جديد، حياة جديدة للراهبة خارج الرهبنة في Ida، حياة أكثر حرية لحبيبين في حرب باردة، وألمانيا جديدة بعد نهاية النازية في «Fatherland». النتيجة في المرات الثلاث هي اليأس، والموت.

يحضر الموت كخلاص روحي، كوسيلة للهروب، وكمعبر عن فشل كل محاولات التغيير، تبدو أفلام بافليكوفيسكي مثقلة تمامًا برؤية تشاؤمية لعالم يحمل كل من فيه ذنب عدم قدرتهم على تغيير ما حدث.

أتدري ما معنى الكلمة؟ … لا شيء

تكمن خطورة «Fatherland» في مدى قربه من اللحظة التي تعيشها ألمانيا في الوقت الحالي، تورط مكتمل في دعم إبادة جماعية في غزة، ادعاء بعدم مسؤوليتهم عن معاداة السامية، إزاحة للذنب على المهاجرين، والأهم ألاعيب كلامية مستمرة من الغالبية لتبرير كل ذلك.

يضع الفيلم الأديب الألماني الفائز بجائزة نوبل توماس مان في مركز الحكاية، يظن أنه قادر على صنع ألمانيا جديدة من خلال كلماته، من خلال كتاباته وقراءته لأفكار "جوته"، لكنه يتحول لمؤدٍ لضجيج غير مؤثر، يتم دعوته لإلقاء خطابات يتم التصفيق لها في خلفية دولة لم يتغير فيها شيء، يتحول الأدب، الفن، والكلمة بشكل عام، لأداة ترفيه، أداة إلهاء، لا أثر لها، ولا معنى.

top-ads

# سينما عالمية # سينما # فن

فيلم «Fjord»: كيف تحمي أبنائك من العالم الحر
فيلم Fatherland: هل يمكن حقًا أن نعود إلى الوطن؟
الفيلم القصير قبل الظهر: رحلة نحو التطهر

فن